أحمد مصطفى المراغي
84
تفسير المراغي
وقال الضحاك : الذي تولى كبره حسان ومسطح فجلدهما صلّى اللّه عليه وسلّم حين أنزل اللّه عذرها ، وجلد معهما امرأة من قريش ، وإنما أضاف الكبر إليه ، لأنه ابتدأ بذلك القول ، لا جرم حصل له من العقاب مثل ما حصل لكل من قال ذلك ، لقوله عليه الصلاة والسلام « من سن سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة » . ثم عاتب اللّه أهل الإيمان به فيما وقع في أنفسهم من إرجاف من أرجف في أمر عائشة وزجرهم بتسعة أمور : ( 1 ) ( لَوْ لا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِناتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقالُوا هذا إِفْكٌ مُبِينٌ ) أي هلا إذ سمعتم ما قال أهل الإفك في عائشة ظننتم بمن اتّهم بذلك خيرا ، لأن الإيمان يحملكم على إحسان الظن ، ويكفّكم عن إساءتكم أنفسكم أي أمثالكم من المؤمنين الذين هم كأنفسكم كما قال « وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ » وقال « فَإِذا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلى أَنْفُسِكُمْ » وهلا قلتم حينئذ : هذا كذب ظاهر مكشوف ؟ فإن الذي وقع لم يكن فيه ما يرتاب منه - ذاك أن مجىء أم المؤمنين راكبة جهرة على راحلة صفوان وقت الظهيرة والجيش أجمعه يشاهد ذلك ، ورسول اللّه بين أظهرهم ينفى كل شك ، وإنما قيل ما قيل لحسد في القلوب كامن ، وبغض في النفس مكتوم . ثم علل سبحانه كذب الآفكين ووبّخهم على ما اختلفوه وأذاعوه بقوله : ( 2 ) ( لَوْ لا جاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ ) أي هلا جاء الخائضون في الإفك بأربعة شهداء يشهدون على ثبوت ما قالوا وما رموها به . ( فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَداءِ فَأُولئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكاذِبُونَ ) أي فحين لم يقيموا بينة على ما قالوا فأولئك المفسدون هم الكاذبون في حكم اللّه وشرعه . ( 3 ) ( وَلَوْ لا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِيما أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذابٌ عَظِيمٌ ) أي ولولا تفضله سبحانه عليكم في الدنيا بضروب النعم التي من أجلّها الإمهال للتوبة ، ورحمته في الآخرة بالعفو بعد التوبة - لعجل لكم العقاب في الدنيا من جراء ما خضتم فيه من حديث الإفك والبهتان .